عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
206
اللباب في علوم الكتاب
جائز أن يكون تطوّعا ؛ لأنه قال في آخر الآية الكريمة : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ البقرة : 177 ] ، وقف التقوى عليه ، ولو كأنه تطوّعا ، لما وقف التقوى عليه ، وإذا ثبت أنّه واجب ، وأنه غير الزكاة ، ففيه أقوال : أحدها : أنه عبارة عن دفع الحاجات الضّروريّة ؛ مثل : إطعام المضطرّ ؛ ويدل عليه قوله - عليه الصلاة والسلام - : « لا يؤمن باللّه واليوم الآخر من بات شبعانا ، وجاره طاو إلى جنبه » « 1 » . وروي عن فاطمة بنت قيس : « إنّ في المال حقّا سوى الزّكاة » « 2 » ثم تلت « وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ » . وحكي عن الشّعبيّ أنّه سئل عمّن له مال ، فأدى زكاته ، فهل عليه سواه ؟ فقال : نعم ، يصل القرابة ، ويعطي السائل ، ثم تلا هذه الآية الكريمة . وأيضا : فلا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضّرورة ، وجب على النّاس أن يعطوه مقدار دفع الضّرورة . فإن قيل : الزّكاة نسخت الحقوق الماليّة . فالجواب : أنّه - عليه السّلام - قال : « في المال حقوق سوى الزّكاة » « 3 » ؛ وقول الرسول أولى ، وأجمعت الأمّة على أنه يجب أن يدفع إلى المضطرّ ما يدفع به الضّرورة ، وإن سلّمنا أن الزكاة نسخت كلّ حقّ ، فالمراد أنّها نسخت الحقوق المقدّرة ، أمّا الذي لا يكون مقدّرا ، فغير منسوخ ؛ بدليل أنه يلزم النفقة على الأقارب ، والمماليك .
--> ( 1 ) أخرجه أبو يعلى ( 5 / 92 ) رقم ( 2699 ) والبخاري في الأدب المفرد ( 112 ) وفي « التاريخ الكبير » ( 5 / 196 ) والحاكم ( 4 / 167 ) والخطيب في « تاريخ بغداد » ( 10 / 391 - 392 ) من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه . وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . وذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 8 / 170 ) وقال : رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات . وله شاهد من حديث أنس مرفوعا بلفظ : ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به . أخرجه البزار ( 119 - كشف ) والطبراني كما في « مجمع الزوائد » ( 8 / 170 ) وقال الهيثمي : وإسناد البزار حسن . ولفظ البزار : ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره طاوي . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 2 / 22 ) رقم ( 659 ، 660 ) وابن ماجة ( 1789 ) والدارمي ( 1 / 385 ) والدارقطني ( 2 / 125 ) والبيهقي ( 4 / 84 ) والطبري في « تفسيره » ( 3 / 342 - 343 ) . وذكره ابن كثير في « تفسيره » ( 1 / 389 - 390 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه . وقال الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بذاك ، أبو ميمون الأعور يضعف وقال البيهقي : وهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور ، كوفي ، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ومن بعدهما من حفاظ الحديث . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 342 ) عن الشعبي .